عبد الوهاب الشعراني
8
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
واعتصم الشعراني بخلقه وبدينه وبعزة نفسه في عصر حطم فيه ولاة الترك كل إباء ، وكل عزة . يقول الوزير الأعظم علي باشا ، عندما عزم على الرحيل إلى تركيا : « إننا مقربون إلى الخليفة ، فهل لك حاجة عنده نرفعها إليه ؟ فيقول الشعراني في عزة المؤمن ، وإباء الصوفي : ألك حاجة عند اللّه ، إننا مقربون إلى حضرته » . ويقول الشعراني : « تشفعت عند السلطان الغوري ، والسلطان طومان باي ، وخابر بك ، وغيرهم من بشاوات مصر ، فقبلوا شفاعتي وذلك معدود من جملة طاعة الملوك لي « 1 » » . ويقول : « وممّا منّ اللّه به عليّ كثرة قبول شفاعتي عند الأمراء ولا أعلم الآن أحدا في مصر أكثر مني شفاعة عند الولاة ، فربما يفنى الدست الورق في مراسلاتهم في حوائج الناس في أقل من شهر » . وأصبح الشعراني المدافع الأول عن الشعب في وجه الطغاة من الولاة ، لأنه كان فوق المادة ، وفوق الرهبة ، وفوق كل إغراء ، وقد امتحنوه سرا وجهرا فأرسلوا إليه الأموال والخيرات فردها عليهم ، وعرضوا عليه الوظائف والهبات ، فأبى أن يأخذ مالا من حاكم ، أو حتى أن يأكل من طعامه ، لأن في ذلك ما يخدش عقيدته ، وما يخدش رسالته . خلق الشعراني : تخلق الشعراني بخلق التصوف وتأدب بأدبه وأخذ نفسه بكل ما كتب وسطر في كتبه ، فكان خلقه صورة رسالته . وكان بحسه وبوجدانه صورة للمثاليات ، وعنوانا كريما للانسانية في كل أفق من آفاقها . كان الشعراني يرى أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا شارك الناس كافة في أحزانهم وآلامهم لأن الإنسانية وحدة متماسكة خيرها مشترك ، وعذابها مشترك ، يقول : « من ضحك ، أو استمتع بزوجه ، أو لبس مبخّرا ، أو ذهب إلى مواضع المتنزّهات أيام نزول البلاء على المسلمين فهو والبهائم سواء » . وكان رحيما بالناس ، ورحيما بنوع خاص بالعصاة والمذنبين ، لأنهم أشد الناس ضعفا ، وأحوجهم إلى العطف والنصح والرحمة .
--> ( 1 ) المنن ج 2 ص 236 .